الخطيب البغدادي
244
تاريخ بغداد
الطلل كأنما جاد مغناه فغيره * دموعنا يوم بانوا ، وهي تنهمل ولو ترانا وإياهم وموقفنا * في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت * قلبا ، ومن عذل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر * عين طوتهن في أحشائها الكلل ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم : تغاير الشعر فيه إذ سهرت له * حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال : فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره ، ثم مر فيها إلى آخرها . فقلنا : زدنا ، فأنشدنا : دمن ألم بها فقال سلام * كم حل عقدة صبره الإلمام ثم أنشدها إلى آخرها ، وهو يمدح فيها المأمون ، واستزدناه فأنشدنا قصيدته التي أولها : قدك اتئد أربيت في الغلواء * كم تعذلون وأنتم سجرائي ؟ حتى انتهى إلى آخرها ، فقلنا له : لمن هذا الشعر ؟ فقال : لمن أنشدكموه ، قلنا : ومن تكون ؟ قال : أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، فقال له أبو الشيص : تزعم أن هذا الشعر لك ، وتقول : تغاير الشعر فيه إذ سهرت له * حتى ظننت قوافيه ستقتتل ؟ قال : نعم ! لأني سهرت في مدح ملك ولم أسهر في مدح سوقة ، فعرفناه حتى صار معنا في موضعنا ، ولم نزل نتهاداه بيننا ، وجعلناه كأحدنا ، واشتد إعجابنا به لدماثته ، وظرفه وكرمه . وحسن طبعه ، وجودة شعره ، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه ، ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان . أخبرني علي بن أيوب القمي ، أنبأنا محمد بن عمران الكاتب ، أخبرني الصولي ، حدثني الحسين بن إسحاق قال : قلت للبحتري : الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام ؟ فقال : والله ما ينفعني هذا القول ولا يضير أبا تمام ، والله ما أكلت الخبز إلا به ، ولوددت أن الامر كما قالوا ، ولكني والله تابع له ، لائذ به ، آخذ منه ، نسيمي يركد عند هوائه ، وأرضي تنخفض عند سمائه .